سهيلة عبد الباعث الترجمان

591

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

تمهيد : إن القضية الكبرى التي يقوم عليها مذهب الجيلي هي قضية عامة يؤمن بها ، وهي فكرة غاية في البساطة ، ذلك أن الوجود وحدة متكاملة لا تعدد فيها ولا كثرة ، إذ أن الكثرة وهمية لا حقيقة لها ، يرسمها الخيال ويتوهمها الفكر ، فوجودها إذن عين وجود اللّه ، وهي غير زائدة بوجه من الوجوه ، وعليه فإن الوجود في حقيقته هو قضية واحدة تجمع بين وجهي الحقيقة الوجودية الحقيّة والخلقيّة على حدّ سواء . فاللّه عين المخلوقات ، وهو اللّه حيثما ظهر مستحق الألوهية وقد أعطى لكل من الوجهين حكما خاصا من السلب والإيجاب ، أو الوجود والعدم . . . ويرى الجيلي في تعبيره عن هذا الوجود الواحد ، الذي هو وجود اللّه بأنه الوجود المطلق ، وهو الوجود الحقيقي تمييزا له عن الوجود المقيّد أو الوجود النّسبي ، الذي يفسح مجالا للقول بالممكنات ، وهذا ما عناه بصرافة الذات الساذج المجردة عن كل النّسب والإضافات ، لكنه يقول من وجه آخر بالتنزلات عن هذه الذات ، فيكون بذلك قد جمع بين القولين أي بوحدة الوجود والوجود المطلق ثم بالوجود الممكن الذي هو تنزّل عن الذات الساذج . وهذا القول يجعله من القائلين بمذهب وحدة الوجود التي يتابع فيها خطى ابن عربي الذي قرر أن الوجود واحد في الحقيقة ، متكثر تكثرا وهميا . وقد لعبت هذه الفكرة دورا أساسيا في تفصيلات مذهب الجيلي فيما بعد ، فهو ينطلق منها ابتداء ، ويسير منها إلى تفاصيل مذهبه الأخرى على اختلافها ، فيصبغها بصبغة وحدة الوجود فكان لذلك أبعد الأثر في تشكيل عقيدته الصوفية في عصره والعصور التي تلت ذلك من بعده ، وقد وضع مصطلحا صوفيا كاملا ، استمده من كل مصدر وسعه الاطّلاع عليه والأخذ منه ، خاصة الكتاب والسّنّة ، ولهذا يعتبر كتاب الإنسان الكامل وحدة متكاملة يتضمن كل القضايا التي عالجها أصحاب فكرة وحدة الوجود بما فيهم ابن عربي من قبل ، بل زد على ذلك بأنه تطرّق إلى مسائل لم يشأ ابن عربي أن يفصح عنها صراحة في مؤلفاته ، فكانت لخاصة الخاصة من أهل الطريق . ولم يكن الجيلي مقلدا لابن عربي في كل ما جاء به من القضايا ، بل كان مجددا ومبتكرا ، حيث ظهرت أصالته في نظريته عن الإنسان الكامل بكل ما حملته من